من أين جاءت فكرة مؤشر الكرامة، ولماذا مفهوم الكرامة بالذات؟
عندما ظهر مؤشر التنمية البشرية خلال العشرية السابقة كنا وجدنا في ذلك خطوة جريئة وهامة من حيث إدماج متغيرات الحوكمة وأحيانا المعرفة والحريات ووضعها كمتغير تقييمي لأوضاع المنطقة العربية. عندها أصبحنا نسأل أين يتموقع العرب في حركة الترجمة العالمية وفي معركة الحريات وفي سوق العمل …الخ. لكن طبعا كانت ثمة مآخذ عديدة كنا نلحظها ومن أهمها أن مأتى الأرقام دائما كان إشكاليا نظرا للطابع الرسمي للمصادر والأجهزة الإحصائية ولكن أيضا لصعوبات العمل الميداني الاستطلاعي. وعندما حصلت الثورة في تونس تحت عنوان ثورة الكرامة، أدركنا بأن مفهوم الكرامة ليس مجرد عنوان مزاجي للتحرك التقطته المجتمعات التي عاشت أزمات مشابهة نتيجة الازمة المالية لعام 2008 , لقد ظهر الشعار في اليونان واسبانيا عبر حركة المستائين Indignados وفي فرنسا من خلال بيان Stéphane Hessel, الشهير. من هنا بدأ التفكير بجدية في جعل مفهوم الكرامة اجرائيا وقابلا للقياس، لأنّه ببعده الاجتماعي يمثل بعدا أهم من الرفاهية، خصوصا بصيغتها الفردية المطلقة . انتظمت لقاءات مع خبراء لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ومنتدى المنظمات العربية غير الحكومية، وفتح الحوار بشكل أكثر جدية من قبل عدد من الجمعيات العلمية هنا في تونس.
ثمة العديد من المؤشرات التي تملأ قواعد البحث ومواقع المنظمات الدولية والإقليمية، ما علاقة هذا المؤشر بغيره من المؤشرات الأخرى وما هي قيمته المضافة؟
هناك اليوم تقارير عديدة تصدر حول مسألة الرفاهية الاجتماعية التي سميناها هنا بالعيش الكريم. أهمها ربما البرنامج الدولي للعلوم الاجتماعية الذي يصدر من لوزان وباستمرار حول قضايا شبيهة، ويمثل المنتدى في تونس فعاليات هذا البرنامج. لكن هناك أيضا مؤشر الرفاهية الاجتماعية البريطاني (مؤسسة لوغاتوم) وهو عالمي وكذلك مؤشر التقدم الاجتماعي Social Progress Index .
معظم تلك المقاييس لا تعتمد تجربة الخدمات ولا مدركات السكان وانما تقتصر أو تكاد على المؤشرات البنيوية المتوفرة هنا وهناك. في هذا الصدد يجب أن ننوه بأهمية الموجة الدراسية المنجزة في الهند بفريق هندي، وهي تجربة كانت قد اعتمدناها كخلفية هنا في تونس لتطوير مؤشر الكرامة. ميزة المؤشر هو أنه يتحدث أكثر عن العيش الكريم لا عن الرفاهية، لأنّ دولة الرفاهية، على الأقل في حالة تونس وشمال افريقيا، ليست قائمة الذات.
إذن مؤشر الكرامة هو امتداد لمؤشر التقدم الاجتماعي الدولي؟
ليس تماما…هو تطوير له، لقد تضمنت الدراسة مؤشرات بنيوية ومؤشرات ادراكية، المرحلة القادمة سوف نستكمل بناء المؤشر من خلال التقرير النهائي واعتماد ترتيب نهائي للمعتمديات بصيغة مجددة، اننا نتقدم في التجربة ولكننا نتعلم أيضا.
ما هي أهم النتائج المستخلصة وكيف يمكن قراءة الأرقام بعيدا عن التعقيد؟
بين يدينا مؤشر. والمؤشر كما يمكن أن يقرأ بالشكل الإيجابي (ما هي المعتمديات أو الولايات أو الأقاليم التي تعتبر الأكثر تقدما في مقياس الخدمات الاساسية والعيش الكريم والفرص المتاحة،) فانه يجب ان تقرأ بالشكل السلبي أو المعكوس لتحديد حجم الفجوة الاجتماعية La fracture sociale .
ليس مهما معرفة من هو الرابح ومن هو الخاسر ولا من هو في اعلى مستوى ومن هو في أدنى مستوى. إنّ المطلوب هو تحديد الفوارق وحالات انعدام الفرص وكيف هي متباعدة في الإقليم الواحد وفي الولاية الواحدة؟ لماذا؟، بكل بساطة لانه اصبحت لدينا خيارات متاحة من خلال الحكم المحلي، ويمكن وضع خارطة لاماكن ذات أولوية بحسب المجال المستهدف سواء أكان ذلك في مستوى الحاجات الاساسية او العيش الكريم أو الفرص المتاحة.
هذا نظري للغاية …. وهل يمكن إعطاء أمثلة مبسطة؟
مثلا عندما نلاحظ بأنّ الفارق النمطي L’écart type في ولاية أريانة هو كبير للغاية بين المعتمديات التي لديها علامات مرتفعة (المنزه مثلا) واخرى لديها علامات جد منخفضة في مجال ترابي متقارب (حي التضامن مثلا) نقول هناك مشكل وهناك كسر أو فجوة اجتماعية une fracture sociale. خذ مثلا المسألة المتعلقة بالسكن سنلاحظ بأنّها اشكالية الى حد ما ولكن ليس الى حد يجعل منها عامل فجوة كما هو الأمر مثلا في بلد كالجزائر منذ وقت قريب.
بعض أشكال الفجوة الاجتماعية يجب ان تكون مؤشر إنذار كما هو الأمر مثلا في ولاية سيدي بوزيد إلى اليوم، ثمة في الحالتين تباعد واضح بين مستويين متباعدين ومتضاربين antonymes. هذه الدوائر الحامية الاجتماعية هي التي تشهد في نفس الوقت نموا ديمغرافيا يتجاوز المعدل الوطني وكذلك أزمة اندماج اجتماعي وتعبئة للموارد البشرية، وقد لا يكون لذلك علاقة مباشرة دائما بالمؤشرات المتصلة بالجهوزية والمعدات والموارد المادية بالضرورة.
لكن كل الفجوات أصلها مادي بدرجة أولى ثم تصبح حاملة لأوجه مختلفة فيما بعد ؟
من حيث المبدأ نعم لكن ليس في كل الحالات دائما، يعلم الكثيرون بأنّ بعض المستشفيات مثلا فيها معدات لكن لا يوجد فيها طب اختصاص، البعض الآخر يوجد فيها طب اختصاص ومعدات وفق الحد الادنى لكن الضغط البشري نتيجة النمو العمراني الناجم عن الهجرة الداخلية لا يساعد على تقديم خدمات صحية بشكل ملائم. كذلك بالنسبة الى التربية …نلاحظ بأنّ عدم اعتماد مبدإ المناطق ذات الاولوية التربويةzone d’éducation prioritaire قد زاد في تدهور الخدمة التعليمية العمومية. الناس عندما يتحدثون يفاجئونك أحيانا بحجم وعيهم. عندما تم تمرير الاستطلاع كان العديد من الأهالي متخوفين من فكرة السنة البيضاء. بعضهم كان ضد فكرة الزيادات في المطلق. كأن يقول عوضا عن الترفيع الاجمالي وفق منطق القطاعات المهنية كما تريد بعض النقابات اليوم، يمكن أن تمارس الدولة التحفيز الإيجابي بزيادة أجر المعلمين والأطباء الذين يعملون في مناطق ذات أولوية دون سواهم مع استكمال التحفيز بالتكوين المستمر المركز.
لكن الا يمكن القول بأنّ مربع المطلبية الاجتماعية قد عاد مجددا الى مستوى المطالبة بتحسين الاحتياجات الأساسية وقد أدى ذلك الى تناسي موضوع الفرص المتاحة مستقبلا للأبناء. هل التقدم في أزمة اليوم؟
قيمة التقدم هي التي في أزمة وليس التقدم. سنة الكون هي التقدم والتغير الدائم. إنّ معنى أزمة القيم هنا ليس بالمعنى الذي يريده المحافظون، وانما بمعنى غياب تجدد القيم حول فكرة التغيير والتقدم الاجتماعي وبناء وفاقات نفسية ومزاجية حوله. لذلك كلما يتراجع التقدم الاجتماعي تتراجع فكرة التقدم كقيمة. وعلينا أن ندرك عمق العلاقة بين تقدم الفقر من ناحية والفقر الى التقدم أو الافتقار اليه. ان الفقر هو صنو للجدب الروحي وللفساد، ولعل قراءة متأنية لرواية صنع الله ابراهيم «ذات»، تكشف العلاقة بين الفقر والخواء الروحي والقمع، وتشرح مسار لجوء المجتمع الى تحجيب نفسه، ولو بشكل مصطنع، حفاظا على الحد الأدنى من كرامات أفراده…..لنلاحظ هنا العلاقة عندنا في تونس، ودعنا من مصر، بين التهديد بحجب الأعداد في المدارس كطريقة للمطالبة بالزيادات وحجب المعرفة وحجب المعلومة.
عندما تم طرح سؤال: من يعيق التقدم في تونس، كانت الإجابات منصبة على الاحتجاجات والإضرابات …هل تجدون ذلك مقنعا؟
الثقافة المطلبية والنقابية تغيرت كثيرا الأعوام الأخيرة. لقد دشنت المرحلة الجديدة عهد القطاعية والتي هي شبيهة بالمقاطعية أو مقاطعات النفوذ. النقل العمومي هو اليوم تحت مقاطعة نفوذ وكذلك التعليم بدرجاته وربما الصحة أيضا، إنّنا أمام ثقافة نقابية من نوع مقاطعي، وهذا يشمل نقابات الأعراف والعمال على حد سواء. الفكر المقاطعي لا يقاوم الزبونبية ولا الفساد ولا الامتيازات الا ليعيدها من جديد. لو أجرينا دراسة جريئة على المنحدر الأسري لموظفي البنوك لوجدنا انهم ابناء وبنات موظفي بنوك انتدبوا بصيغة تشبه التملك الوظيفي. ويمكن أن نعمّم المسألة على بعض المهن والشركات العمومية، وانتدابات العاملين في شركات النقل وسكك الحديد. هذا هو روح المقاطعة ونفوذ المقاطعية. لهذا السبب وجد قطاع واسع من الرأي العام في هذا النموذج النقابي المقاطعي تهديدا ضاربا للقطاع العمومي بدليل هروبهم الاضطراري الى القطاع الخاص، سواء في الصحة او التعليم.

حاوره خالد الحداد عن جريدة الشروق